ما هو أفضل الأديان؟.. سؤال يجيب عليه الزعيم الروحي للبوذية في حوار مع عالم مسيحي
الاثنين 29 يناير 2024 الساعة 18:17
المنارة نت / حسن الدولة

بادئ ذي بدء تجدر الإشارة إلى ان لقب أو منصب "الدالاي لاما" هو يشير إلى زعيم روحي بوذي وسياسي تبتي، وهو عنوان يتبعه زعماء التيبت البوذيين منذ القرن الخامس عشر، ويتم انتخابه من قبل علماء الدين ..

الدالاي لاما الحالي هو الرابع عشر في سلسلة الدالاي لاما ، واسمه  "تينزين جياتسو". تم انتخابه كدالاي لاما في سنة 1937م عندما كان في الرابعة عشرة من عمره.

يعني "الدالاي لاما" بتعزيز قيم السلام والتسامح والحوار بين الأديان والثقافات المختلفة.  يسعى جاهدًا لتحقيق السعادة والتفاهم بين البشر وتعزيز العدل وحقوق الإنسان. 

بالإضافة إلى ذلك، يروج لقيم الحب والتعاطف والشفقة، والتراحم، ونشر قيم المحبة وترسيخ قيم السلام، والتسامح، ويحث الناس على السعي للسلام الداخلي والتواصل الإنساني العميق.

وفيما يلي اسرد لكم نص حواره مع عالم لاهوت مسيحي يؤكد فيه بأن العقيدة شأن خاص بين الانسان وربّه.

في مائدةٌ مستديرة للنقاش حول «الأديان والأخلاق»، جمعت مجموعة من رجال الدين من عقائدَ وأديان ومذاهبَ شتّى، وكان من بين المناقشين عالمٌ فى اللاهوت المسيحي من أمريكا اللاتينية، وحكيم التبت «تنزين جياتسو»، القائد الروحى الأعلى الحالي لبوذية التبت، المُلقّب بـ«دلاي لاما».

بعد انتهاء النقاش، وجّه رجلُ الدين المسيحي سؤالاً للدلاي لاما:

"يا سماحة الدلاي لاما، ما أفضلُ الأديان من وجهة نظرك"؟

كان السائل يظنُّ أن الدلاي لاما سيقول: "بوذية التِّبت هي الأفضل"، أو على الأقل "الديانات الشرقية التي سبقت المسيحية بقرون بعيدة"، لكن الدلاي لاما ابتسم ثم قال بهدوء:

"العقيدةُ الأفضلُ هى تلك التى تجعلك شخصًا أفضل. وتجعلك أقرب إلى صورة الله على الأرض."

ألحّ رجلُ الدين المسيحي في السؤال، قائلا:

 "وما هى تلك العقيدة التى تجعل الإنسانَ شخصًا أفضل"؟

فأجاب الدلاي لاما:

"هي العقيدةُ التى تجعلك أكثرَ رحمةً، أكثرَ إدراكًا، أكثر حساسيةً، أقلّ تحيّزًا، أقلّ عنصريةً، أكثرَ حبًّا، أنظفَ لسانًا، أكثر إنسانيةً، أكثر مسؤوليةً، وذا أخلاق عالية.  الدينُ الذى يجعلك كل ما سبق، هو الدينُ الأفضل."

صمتَ رجلُ الدين مأخوذًا بالإجابة الحكيمة، التى لا يُمكن مجادلتها. لكن دلاي لاما أكمل قائلا:

"لستُ مهتمًّا يا صديقي بعقيدتك أو دينك أو مذهبك. أو إذا ما كنتَ متديّنًا أم لا. الذى يعنيني حقًّا هو سلوكك أمام نفسك، ثم أمام نظرائك، ثمّ أمام أسرتك، ثمّ أمام مجتمعك، ثم أمام العالم. لأن جماع كل ما سبق سيشكّل كيانك وصورتك أمام الله. تذكّر أن الكونَ هو صدى أفعالنا وصدى أفكارنا. وأن قانونَ الفعل وردّ الفعل لا يخصُّ عالم الفيزياء وحسب، بل هو أيضًا قانونٌ يحكم علاقاتنا الإنسانية. إذا ما امتثلتُ للخير سأحصدُ الخيرَ، وإذا ما امتثلتُ للشرّ، فلن أحصد إلا الشرَّ. علّمنا أجدادُنا الحقيقة الصافية التي تقول: سوف تجني دائمًا ما تتمناه للآخرين. فالسعادةُ ليست رهن القدَر والقسمة والنصيب، بل هى اختيارٌ وقرار".  ثم ختم كلامه قائلا:

"انتبه جيدًّا لأفكارك، لأنها سوف تتحول إلى كلمات.   
  وانتبه إلى كلماتك، لأنها سوف تتحول إلى أفعال.    
  وانتبه إلى أفعالك، لأنها سوف تتحول إلى عادات.  
  وانتبه إلى عاداتك، لأنها سوف تُكوّن شخصيتك،  
  وانتبه جيدًّا إلى شخصيتك، لأنها سوف تصنع قَدَرك،  
  وقَدرُك سوف يصنع حياتك كلّها."

مما سبق نستطيع ان نقف على ما  يريد قوله الدلاي لاما بكل بساطة ، فهو يريد أن يؤكد ان الدين لله ، وهو في ذات الوقت وسيلة، وليس غاية. الغايةُ العليا هى «الصلاح». والدينُ هو أحد السبل للوصول إلى الصلاح. لهذا فإن الرُّسل كانوا يختمون دعائهم بعبارة: «اللهم ألحقنا بالصالحين صالحين»، كقول رسول الله إبراهيم عليه السلام: «رَبِّ هَبْ لِى حُكمًا وألحقنى بِالصَّالِحِين». الشعراء ٨٣.

فإن قضى الإنسانُ عمرَه كلَّه فى مسجد أو كنيسة أو هيكل أو معبد، يُصلّى   ويصوم ويتعبّد، ولم يصنع منه كلُّ ذلك إنسانًا صالحًا رحيمًا متحضرًا عفَّ اللسان، فما جدوى ركوعه وسجوده وجوعه وعطشه، واللهُ تعالى غنيٌّ عن صلاتنا وذكرنا وقرابيننا؟! إنما خلقنا اللهُ لكى نصنع نموذجًا متحضرًا للكائن المسؤول الذى يختار الخير وهو قادرٌ على الشر، ويختار الرحمة وهو قادرٌ على القسوة، ويختارُ العدل بدلاً من الظلم. لهذا كلّفنا الله وجعلنا ورثة الأرض القادرين على الاختيار والقرار: «وهديناه النجدين»، أي منح اللهُ الإنسانَ طريقَ الخير وطريقَ الشر، ليختار بينهما.

ذاك هو الدرسُ الذى نحتاجُ أن نتعلّمه: العقيدةُ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربّه، أما الشأنُ العام، فهو التعامل الطيّب بين الناس. من خلال دولة مدنية ، تكفل المساواة وتحقق العدالة ، وتحترم الاديان وترعى المتدينين ومسألة الحكم في الإيمان اخروي فهو سبحانه العالم بمن ضل منا ومن اهتدى، فالقانون وليس المفتي هو من يحكمنا وصناديق الانتخابات ، والحاكم المؤمن قد يكون منافقا وقد يكون صادقا فيكون إيمانه له فلا يخون القسم ويتق الله فيما اؤتمن فيه ، والإنسانُ النظيف القلب، العادلُ، المتحضّر، وغير المتحيّز هو السفيرُ الأجملُ لعقيدته.

وتأكيد إلى ما ذهبنا إليه فأن الدالاي لاما يقول : "لذلك، سواء كنت مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو بوذيًا أو هندوسيًا أو من أي ديانة أخرى، فالأهم هو أن تعيش وفقًا للقيم الأخلاقية الرفيعة، وأن تسعى جاهدًا لتحسين نفسك وعلاقاتك مع الآخرين. العقيدة تكون ذات قيمة إذا ترسخت في سلوكنا اليومي وتأثيرها إيجابي على العالم من حولنا".

مما سبق يتبين لنا ان ما قصد الدالاي لاما في العبارات المذكورة أنفا أن الأفكار تتحول إلى كلمات، والكلمات تتحول إلى أفعال، والأفعال تتحول إلى عادات، والعادات تشكل الشخصية، والشخصية تصنع مصير الإنسان، ومصير الإنسان يصنع حياته بأكملها. وهذا يعني أن الاهتمام بالتفكير الإيجابي والقيم الحسنة يؤدي إلى أفعال إيجابية وعادات صالحة، وبالتالي تشكل شخصية طيبة وتؤثر في مصير الفرد وحياته بشكل عام.

ببساطة، الدالاي لاما يشدد على أهمية أن نكون حذرين فيما نفكر فيه، ونتحلى بالوعي فيما نقوله ونفعله، لأن ذلك يؤثر في شخصيتنا وحياتنا. وبالتالي، يركز على أن الدين ليس هدفًا ذاتيًا، وإنما هو وسيلة للوصول إلى الصلاح والخير في التعامل مع الآخرين وبناء مجتمعات متحضرة ورحيمة.

الدالاي لاما يذكر أيضًا أن الإنسان ليس مجرد واجهة خارجية تظهر العبادات الخارجية فحسب، بل يجب أن يصنع من نفسه شخصية صالحة وحسنة، تختار الخير والعدل وتتعامل بلطف وعدل مع الآخرين. فالشخص الذي يتحلى بالنزاهة والرحمة والتسامح والاحترام هو سفير حسن لقيم وعقيدته.

بشكل عام، رسالة الدالاي لاما تدعو إلى أن نعتني بتطوير أفكارنا وأفعالنا وعاداتنا، وأن نسعى لتشكيل شخصياتنا بما يعكس القيم الإنسانية النبيلة، وأن نكون سفراءً حقيقيين للخير والعدل والرحمة في العالم.

وبهذا الشكل، أكد الدلاي لاما على أهمية الأخلاق والسلوك الحسن في تقييم الأديان وقيمتها. فالعقيدة بحد ذاتها ليست كافية، بل يتعين أن تتجسد عبر تصرفاتنا وسلوكنا اليومي. إذا كانت العقيدة تحفزنا على أن نصبح أشخاصًا أفضل ونعمل لخدمة الآخرين وللسعادة والسلام في العالم، فإنها تكون قيمة ومفيدة.

في الختام يمكننا أن نفهم أن العقيدة الحقيقية ليست مجرد مجموعة من المعتقدات الدينية، بل هي نظام قيم وأخلاق يوجه تصرفاتنا ويشكل شخصيتنا. 

ومن هنا يتجلى أهمية التركيز على الأخلاق والقيم الإنسانية العالمية التي تجمع بين الأديان المختلفة وتعزز التعايش السلمي والتفاهم بين الناس.

متعلقات