حوثيون يقتلون آبائهم تقربا لزعيمهم "المقدس" بعد خضوعهم لدورات سرية
الاربعاء 11 مايو 2022 الساعة 10:56
تحقيق/ المنارة نت / الثورة نت

"أقسم لكم بالله لوما هو موقعي لا مدري مفعل به قده من دمنا .. دمنا بيحرق على السيد مابنقبل في أحد.. والله لو هو أبي الله يلعني ويجعلني في جهنم لا ألعن أبي وألعن جد... إذا عادوه يتكلم على السيد".
بهذه الكلمات حاول القيادي الحوثي نصر الدين عامر - الذي عينته مليشيا الحوثي رئيسا لمجلس إدارة وكالة سبأ للأنباء المستنسخة - الدفاع عن تعذيب المليشيا لناشط موال لهم نشر وثائق فساد قياداته المنتمية لمحافظة صعدة.

يقول عامر في تسجيله الصوتي إنه على صلة قرابة بالناشط عبدالرحمن المؤيد الذي تعرض للتعذيب..

والمؤيد أحد موظفي نبيل الوزير الذي عزلته من منصب وزير المياه في حكومة الإنقلاب ضمن حملة طالت العديد من القيادات المنتمية لصنعاء.

واعتقلت مليشيا الحوثي الناشط عبدالرحمن المؤيد مطلع يناير، وتعرض للتعذيب، إلا أن عامر حاول تفنيد وقوع التعذيب بالاعتراف أنه تعرض نتيجة خلاف حصل بينه وبين حارس الزنزانة ليعود ويتهم المؤيد بالتطاول على زعيمهم عبدالملك الحوثي.

وبحسب نصر الدين عامر، فإن قداسة زعيم المليشيا تفوق قداسة الوالدين، ومهاجمته أمس حساس جدا بالنسبة لهم، فزعيمهم كما قال: "موش شخصية عادية.. شخصية روحية عندنا .. أي واحد يسبه نلعن جد جد جده لا الجد العاشر".

ليس وحده نصر الدين عامر من يرى طاعة زعيم المليشيا مقدسة ومقدمة على طاعة والديه، وليس وحده من عناصر الحوثي على استعداد لأن ينتقم من والديه إن أحدهما أساء لزعيمهم المقدس.
ففي فيديو منشور على يوتيوب بتاريخ 20 نوفمبر 2021 كال أحد عناصر مليشيا الحوثي اللعنات والكلمات النابية والبذيئة لوالده.. معتبرا زعيم المليشيا أفضل من أبيه وأغلى كما قال.   ويقول هذا العنصر الحوثي في الفيديو "أبي أنا (...) أمه بالحذاء، أغلى لي هو عبدالملك بدرالدين الحوثي .. أغلى لي من أبي .. أبي بالصندل أنا (...) أمه، الله يلعنه أبي.".  

أرقام مرصودة

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت جرائم قتل الأقارب وخاصة الآباء والأمهات على يد العناصر الحوثية، كان آخرها جريمتي قتل طالت ثمانية من الأقارب على يد عنصرين حوثيين في محافظتي ذمار وريمة.

ففي السادس من فبراير الماضي أقدم المشرف الحوثي في مديرية جهران بمحافظة ذمار جمال عبدالملك هاشم الكبسي على قتل 7 من أقاربه هم "والدته وزوجته وأربعة من أطفاله - طفلان وطفلتان - وشقيقة زوجة والده".

وبعد أسبوع من هذه الجريمة وتحديدا يوم 14 فبراير شهدت مديرية بلاد الطعام جريمة قتل أب في السادسة والأربعين من العمر هو حميد محمد عبدالله، على يد ولده الذي يعمل معلما وناشطا حوثيا في المنطقة، فيمل نجت والدته من القتل بعد أن أصيبت بجروح خطيرة نقلت على إثرها إلى المستشفى.

وخلال الفترة من 16 يناير 2020 وحتى 27 يوليو 2021 - أي خلال عام ونصف - رصد "الثورة نت" 15 واقعة قتل أقارب على يد عناصر حوثية أسفرت عن مقتل 28 قريبا غالبيتهم من الآباء والأمهات ثم الزوجات والأبناء الأطفال، وأطفال أقارب.

أما الإصابات التي سقطت في الوقائع الآنفة الذكر فبلغت ثمان إصابات طالت أما وأخا وأختا، وخمسة أطفال أبناء إخوة.

تكتم وإنكار

وتتكتم مليشيا الحوثي على جرائم قتل الأقارب، وتحاول إظهار عدم علاقة الدورات والمحاضن التعبوية بهذه الجرائم، كما فعلت مع حادثة قتل أب وأم في المحويت على يد إبنهم الذي عينته المليشيا مشرفا ثقافيا بمديرية حفاش.

ففي حلقة بثتها قناة المسيرة التابعة للمليشيا بتاريخ 2 أغسطس 2021 ضمن برنامج (الحقيقة لاغير) خصصت القناة الحلقة للرد على الغضب الشعبي من جريمة مشرف المليشيا الثقافي في حفاش محمد علي الحرازي الذي قتل والديه وهما يستعدان لطعام الإفطار بعد يوم مرهق من الصيام في الثامن من شهر ذي الحجة.

القناة هدفت من خلال الحلقة تفنيد انتماء الحرازي للمليشيا، واتهمت من ينسبون انتمائه لهم بالعمل لصالح أجندة هدفها تشويه صورتهم، وتخويف المجتمع مما تسميها الدورات الثقافية.

وبعيدا عن رواية قناة المسيرة الحوثية تواصل موقع "الثورة نت" بأحد أقارب الجاني - يحتفظ باسمه وصفته لتواجده في محافظة المحويت - وبدوره تحدث عن التفاصيل التي سبقت حادثة الجريمة، وعن القاتل الذي تغير سلوكه كليا بعد التحاقه بالمليشيا، وتعيينه مسؤولا ثقافيا لهم بمديرية حفاش وخطيبا للجامع الكبير في مركز المديرية.

يقول المصدر المقرب: "محمد كان مغترب في السعودية وخرج في 2018 ، وكان يرغب في البقاء في مأرب والعمل هناك، لكن أبوه اتصل به وطلب منه يعود إلى البلاد، لان مافيش معاهم حد في البيت، ويكفي أن معاهم واحد في مأرب".

عاد محمد علي الحرازي إلى قريته بيت ذياب بعزلة الأحجول الأعلى مديرية حفاش، استجابة وطاعة لوالده – وفق المصدر - لأنه كان يريد أن يطيعهما كما ذكر.. مضيفا: "تزوج محمد ببنت عمه وجلست معه قليل واختلف معها وحنقت، وأبوها رفض عودتها.. قرر محمد يلتحق بأنصار الله عناد على شان يستقوي بهم، وسار معاهم دورة ثقافية، وبعدها رجع يعتدي على أرض عمه ويكسر البن والقات".

وتابع: أنصار الله عينوه مسؤول ثقافي عندنا في حفاش وعينوه خطيب للجامع الكبير في الصفقين – مركز المديرية - وكان يطلع كل جمعة إلى الصفقين على شان يخطب بالناس لأنه فاهم ودرس في جامعة صنعاء شريعة وقانون".

المصدر شرح لـ"الثورة نت" كيف تغير سلوك محمد علي الحرازي الذي كان نموذجا للولد المجتهد والمثابر، وكيف غيرت المليشيا من سلوكه ذك قائلا: والله اني كنت أشتي أقع مثل محمد لكثر مايحترموه الناس، لكن بعدما ساير انصار الله خرب، ورجع يخزن ويشرب شمة، ويجلس لوحده كثير".

وفق المصدر فإن محمد علي الحرازي يوم إقدامه على قتل والديه اختلف مع شقيقته، وعندما ارتفعت أصواتهما حاول والده التدخل لمعرفة مايجري، لكنه بادر بإطلاق رصاصة قاتلة على صدر أبيه من سلاح كلاشنكوف صرفته له مليشيا الحوثي، وعندما جاءت أمه لمعرفة مايجري وجه لها هي الأخرى أيضا رصاصة قاتلة أنهت حياتها على الفور.

يؤكد المصدر أن والد محمد علي الحرازي كان مستاء من تغير سلوك ولده بعد التحاقه بالمليشيا، وكان دائما يضرب المثل بأخيه المتواجد في محافظة مأرب ضمن قوام الجيش الوطني، والذي لا يتوقف عن التواصل معهم والتطمن عليهم وإرسال مبالغ مالية لهم.. مؤكدا أن المشرف الحوثي محمد علي الحرازي كان مستاء جدا من مهاجمة والده لقيادة المليشيا، التي غيرت من سلوكه، ما دفعه لارتكاب جريمته.

جرائم غريبة

ومع أن مليشيا الحوثي تفرض إجراءات مشددة على معلومات قتل الآباء والأمهات إلا أن مصدرا خاصا في عمليات وزارة داخلية المليشيا أكد لـ"الثورة نت" أن قتل الآباء والأمهات، باتت ظاهرة مؤرقة ومقلقة، وأنها شهدت اتساعا كبيرا خلال العامين الأخيرين.

وأوضح المصدر أنه لا يكاد يمر شهر دون أن يتم رصد جرائم قتل آباء أو أمهات، وأحيانا يتم تسجيل أكثر من جريمة خلال الشهر.. كاشفا النقاب عن جرائم غريبة لم تكن ترتكب من قبل مثل حادثة محاولة ذبح طفلين في 7 فبراير الماضي عندما أقدم شاب على محاولة ذبح الطفلين محمد علي البداء والطفل الوصابي وسط الشارع دونما سبب يذكر.

تساؤلات التحقيق

وأمام هذا التفشي لجرائم قتل الآباء والأمهات والأقارب على يد عناصر الحوثي تبرز العديد من التساؤلات حول طبيعة التعبئة التي يتعرض لها الملتحقون بجماعة الحوثي، ولماذا يتحولون من عناصر فاعلة وسوية في المجتمع، إلى عناصر شاذة تحمل التطرف والإرهاب والعنف ضد الأسرة والمجتمع؟

ماذا عن علاقة الدورات التعبوية والمراكز الصيفية في تفشي قتل الأقارب؟ وهل الظاهرة انعكاس لحالة نفسية أم تعبيرا عن ثقافة متطرفة تشترك فيها الجماعات الإرهابية؟

ماهي المخاطر الناجمة عن التجريف الحاصل للشباب والأطفال في الدورات الثقافية، وماهي العوامل التي ساعدت ذلك؟ ومالذي ينتظره المستقبل جراء تخريج عشرات الآلاف من حملة الثقافة العدائية للمجتمع؟

وردا على تلك التساؤلات تحدث "الثورة نت" إلى أكاديميين وباحثين ومتخصصين، في الجانب العقائدي والنفسي والتاريخي، والجماعات الدينية والاجتماعية ، والبداية مع أستاذ الفكر التربوي في جامعة صنعاء ومؤلف كتاب الظاهرة الحوثية البروفيسور "أحمد محمد الدغشي".

يقول الدغشي إن ملازم مؤسس المليشيا حسين الحوثي تحمل مضامين غاية في العنف والكراهية، وتدعو لقتل المخالف لمجرد الاختلاف معه بأي من طرق الاختلاف السلمية، فمضمونها يحمل معنى الحق المطلق، وقائلها رجل خارق لا يكاد يقول إلا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو القران الناطق، ولا يسع أحد مخالة ملازمه، ومن خالفها فقد خالف الحق، ومن ثم فحكمه النفاق، وإذا أصر على ذلك وأبى إلا أن يحتفظ برأيه فقد يصل الأمر معه إلى مرحلة استحلال دمه وعرضه حتى وإن كان من أقرب الناس إليه، ومن هنا وصلنا لمرحلة لماذا يقتل الولد أباه؟".

وأشار إلى أنه من خلال اطلاعه على ملازم حسين الحوثي فإنها تحمل "تضمينا صريحا أو ضمنيا على تنزيل آية الجهاد والقضاء على الكفر والتبرؤ من الكافرين والمشركين والمنافقين على كل من خالف قائد هذه المسيرة أو مشرفيها أو أفكارها حتى لو كان أقرب الناس أبوه أمه اخوه أو حتى زوجته ، ومن ثم يحدث مايحدث من عنف يصل إلى حد القتل".

واستدل البروفيسور الدغشي بقسم الولاية الحوثي الذي يعلن بشكل صريح أن من يختلف مع زعيم المليشيا أو يختلف مع الملازم أو يختلف مع هذه المسيرة فإنه عدو لله وعدو لرسوله، وعبدالملك الحوثي "وكأن النص جاء به قرينا لله ولرسوله ولعلي رضي الله عنه".. مؤكدا أن تعبئة مثل هذه الأفكار لا يمكن أن تنتج إلا عنف وقتل واستحلال.

وزير الأوقاف والإرشاد محمد عيضة شبيبة من جانبه يقول: "بحسب إيريك هوفر في كتابه "المؤمن الصادق" إن "الناس يؤمنون إيمانا أعمى بالفكرة التي لم يفهموها"، والفاشية الإيطالية والنازية الألمانية نموذج واضح لملايين الشباب الذين اندفعوا إلى الموت اندفاعا، وقد فقدوا أملهم بالحياة وبالمستقبل.. مضيفا: الحال ذاته يتكرر مع الخمينية الإيرانية التي ساقت آلاف الشباب العربي إلى محارق الموت، في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، وقد انطلت عليهم أوهام الخرافة والزيف.

الوزير شبيبة أشار إلى البعد النفسي في عملية "التثقيف" التي يقوم بها الحوثي، حيث يتم حرف بوصلة العقل لشباب فقد الأمل بالحياة، يعيش الجهل والبطالة والفقر، والصراع الاجتماعي أو الأسري، فيندفع اندفاعا إلى جبهات القتال، معززا بتلك الخرافات ليعود بعدها منحرف سلوكيا يحمل ثقافة كره لكل من يخالف توجهه.

وأضاف: لا توجد مناهج لدى مليشيا الحوثي بالمعني الحقيقي، والمفهوم العلمي، وكل ما في الأمر هو تزييف وعي، وغسل أدمغة في دوراتٍ سرية مكثفة في غالبها، أو شبه سرية، في لحظة فراغ ثقافي وعلمي يعيشها المجتمع الواقع تحت سيطرة هذه الجماعة.

وأردف: هذه الثقافة المغشوشة تنطلي على الملتحقين بالدورات التعبوية وقد غُلفت بغلاف ديني، مستغلة عاطفة الناس الدينية الجياشة؛ لاسيما ومن يقدمها لهؤلاء البسطاء يتظاهرون بالصلاح والتدين، ولهم أساليبهم الماكرة في إيصال رسائلهم، وفي الحديث النبوي الشريف: "إن من البيان لسحرا"، وكم من بيانات ظاهرها البراءة وباطنها السم الزعاف.

في السياق يقول الباحث التاريخي زيد جابر إن مليشيا الحوثي تركز في دوراتها على ربط الشباب والأطفال بما يسميه بالسيد العلم واعتبار طاعته واجبة ، والقتال لتمكينه وتحت قيادته جهاد في سبيل الله ، بالإضافة الى شحنهم بالعداء لمن خالفهم تحت مبدأ الولاء والبراء وتكفير المخالفين باعتبارهم منافقين وأولياء لليهود والنصارى وان قتالهم واجب.

وقال إن هذا المنهج المكثف يقدم باعتباره هو الدين والطريق الوحيد الموصل الى الجنة ومن خالفه فهو في النار.

وتحدث زيد عن وسائل جديدة اكتسبها الحوثي من حزب الله والحرس الثوري الايراني تصب في عسكرة التشيع وترسيخ الحقد والعداء ضد خصومهم .. مؤكدا أن هذا الفكر الدموي سرعان ما يتحول إلى واقع عملي من خلال خروج هؤلاء الشباب المؤدلج من الدورات التعبوية إلى جبهات القتال والتي يقتل فيها المئات يوميا ، وهو ما ينعكس على نفسيات من ينجو منهم، ومن ثم ينعكس على سلوكه عند عودته من الجبهات، فيصبح أكثر عدوانية تجاه كل من يراه معارضا للحوثي ولمسيرته التدميرية، باعتباره معارضا لعلم الهدى الذي أمر الله الناس بتوليه بحسب الادبيات الحوثية.

وتابع: من هنا شهدنا قيام بعض هؤلاء الشباب بالاعتداء على أقاربهم بما في ذلك الابوين والأخوة، وهم يعتقدون أن ما يقومون به هو دفاع عن الدين والعقيدة، وأن الولاية للسيد العلم يجب ان تكون مقدمة على حب الأب والام وكل الناس.

وأكد أن أتباع الهادوية وأصحاب نظرية الاصطفاء الإلهي يتداولون عبر التاريخ روايات موضوعة ينسبونها الى النبي صلى الله عليه وسلم تجعل النجاة بطاعتهم، وأن من لم يقاتل من أجلهم فهو في النار وإن عبد الله في الحرم الف عام.

عوامل مساعدة

وعن العوامل التي تدفع بالأسر والأطفال والشباب للالتحاق يهذه المحاضن الخطيرة للمليشيا يرى الباحث في شؤون الجماعات المسلحة والإرهاب وضاح اليمن عبدالقادر أن أبرز العوامل تتمثل في غياب الدولة والفقر والاضطرابات والحروب والظروف الاقتصادية والتي تشكل بيئة خصبة للتطرف والارهاب.

وأكد أن جماعات العنف والإرهاب تستغل العوامل المذكورة لنشر أفكارها المتطرفة، كما تستغل حاجات الناس وظروفهم الصعبة فتغرس فيهم الأفكار الهدامة.

في السياق يقول وزير الأوقاف محمد عيضة شبيبة إن الفقر والتسرب من التعليم دافعين أساسيين للالتحاق بالدورات التعبوية.. مضيفا: بنظرة عامة على الملتحقين بهذه الدورات، أو بالأصح الأوكار نعرف أن جميعهم من الطبقة الفقيرة العاطلة، وممن تسربوا عن التعليم سابقا، ولم يستطيعوا مواصلة تعليمهم بعد أن سطا الحوثي على المؤسسات التعليمية والجامعية، ومراكز البحث العلمي والمؤسسات الثقافية وجيرها لصالحه.

نفسية أم عقائدية

وفيما يحاول الحوثيون القول إن دوافع قتل الآباء والأمهات هي ناجمة عن حالة نفسية للشخوص ليس لها علاقة بالفكر والمعتقد الذي يحمله، يؤكد مختصون نفسيون على دور التعبئة والتنشئة في حرف نفسيات المستهدفين باتجاه تحويلهم إلى عناصر خطيرة على الأسرة والمجتمع.

وبحسب مدربة الدعم النفسي ليلى خليل فإن للأفكار الضالة والتعبئة العنفية التي تتم في الدورات التعبوية للحوثيين تجاه مخالفيهم في المعتقدات دورا في تفشي قتل الآباء والأمهات والأقارب.

وقالت إن الحوثيين استخدموا وسائل عديدة لتكريس العنف لدى أتباعهم مستخدمين في ذلك الدورات الثقافية والمساجد ووسائل الاعلام والزوامل ووسائل التواصل الاجتماعي، والمخيمات الصيفية، وكرسوا لغة الكراهية وشجعوا على ترك الدراسة والالتحاق بمعسكراتهم حيث يتم تنشئة الاطفال على القتل وسفك الدماء منتزعين من قلوبهم مشاعر الإنسانية.. مؤكدة بأن الحوثيين يقومون بتحريض الأطفال على تكفير غيرهم ممن لا ينتمي لعقيدتهم، مما يؤكد أنهم ينشؤون جيلا يتحدث باسم القتل والحرب والانتقام.

وفيما يتحدث الباحث محمد الأحمدي عن وجود دور للعقاقير المستخدمة من قبل الجماعات المتطرفة في التأثير على أدمغة أتباعها ونفسياتهم، تجعلهم في لحظة من اللحظات يفقدون السيطرة على أنفسهم.. أكدت الإخصائية النفسية غدير البحيري قيام الحوثيين باستخدام ما أسمتها عقاقير الهلوسة إما عن طريق إضافتها للوجبات التي تقدمها للأفراد المنضمين لها، أو بطريقة مباشرة.. مشيرة إلى أن هذه العقاقير لها تأثيرات نفسية خطيرة على متعاطيها، ولها دور كبير في تسهيل غرس الأفكار المغلوطة.

وتحدثت عن عبث حوثي بالقيم الاجتماعي بهدف تمزيق النسيج الاجتماعي، سيطرت من خلاله على الجانب النفسي لأتبعها، فهي تقيم دوراتها التعبوية تحت مسمى "دورات تثقيفية"، وخلال هذه الدورات تدق على الوتر الحساس لعناصرها حيث تلغي قيم أساسية مثل "الانتماء للعائلة، العادات الاجتماعية السليمة، وحب الوطن" لتوجه تلك القيم الى الانتماء لجماعتها وعاداتها ومعتقداتها الذاتية، فيؤدي ذلك الى إلغاء القيم الاساسية للفرد.

وأضافت: "إن ركزنا على الدورات التي تقيمها جماعة الحوثي نستطيع تسميتها بدورات غسل الافكار في الدماغ وإعادة تشكيلها بما يفيد أهدافها.

وأكدت أن الأطفال الذين يتعرضون لدورات الحوثيين يتحولون كثيرا إلى العناد ويميلون الى التسلط وفرض الرأي والتعامل مع أبسط المواقف بعنف شديد؛ مما يسبب توتر العلاقة الأسرية وسيرها بالطريق الخاطئ في التربية.

من جانبه أكاديمي في جامعة صنعاء – فضل عدم ذكر اسمه حتى لايتم التركيز من قبل المليشيا قال إن الشخصية الإنسانية تتكون من أربعة جوانب رئيسية جانب عقلي وجانب وجداني وجانب جسمي وجانب اجتماعي والنمو المتوازن هو عبارة عن تلبية متطلبات تلك الجوانب بما يؤدي نشأة شخصية متوازنة.

وأضاف: "الخلل يكون في إشباع جانب دون الآخر لدى الشباب والشعور بأنه يعاني من الحرمان لبعض متطلبات حياته مما يجعله يشعر بنوع من الضياع، مما يدفع جماعات الارهاب والعنف لاستغلال هذا الخلل الذي يعاني منه الشباب فتحاول بشتى الوسائل استقطابهم وتعبئتهم التعبئة الخاطئة".

وأكد أن السنوات الأخيرة شهدت نسبة كبيرة من جرائم قتل الآباء والأمهات وقتل الأقارب، وهذه الظاهرة لم تنتعش إلا في عهد الحوثي.

عبر التاريخ

ويرى باحثون في التاريخ أن قتل الأقارب ليست بالجديدة على مليشيا الحوثي التي تعتبر امتدادا للإمامة الهادوية، فالمؤرخون يروون الكثير من وقائع قتل الأقارب، علي أيدي بعضهم، ليس على مستوى الأتباع، وإنما أيضا على المستوى القيادي.

يقول الباحث عصام القيسي إن "الإنسان ابن تربيته وثقافته، والمجتمع الامامي ينشئ أبنائه على ثقافة الغلبة والدم ".. مؤكدا أن فكرة الإمامة في الفكر الهادوي تقوم على مبدأ السيف والقتل ،والثقافة الهادوية ثقافة موت وحرب.

وتابع: "العقل المحشو بمفاهيم القوة والغلبة لن ينتج إلا الموت ولن يراعي أي قيم معتبرة في طريقه، لأن السلطة هي القيمة الأعلى عنده".. مضيفا: "المجند الحوثي يعبأ بمشاعر العداء للخصوم ويزين له الموت ويغسل دماغه حتى يصبح مجرد ذئب متعطش للدم، يستسهل قتل كل الناس".

وتأكيدا لذلك يتحدث الباحث في التاريخ اليمني بلال الطيب عن تاريخ مليء بالصراعات الداخلية بين الأسر الامامة الزيدية على مدى قرون تلخصها عبارة "عصابة تأكل بعضها " كما قال.. مضيفا: "لو عدنا إلى تاريخ هذه الدولة أو تاريخ الإمامة بشكل عام لوجدنا أن الخلافات بين السلالات أو أفراد الأسر الحاكمة نفسها بدأ منذ عهد أحفاد يحيى بن حسين الرسي، حيث انقسموا إلى أبناء حرائر وجواري وتقاتلوا وتصارعوا وسفكوا الدماء فيما بينهم وكان أبطال ذلك الصراع ثلاثة من أبناء الناصر احمد يحيى ابن الحسين الرسي وتستمر حلقات هذا الصراع.

وقال: "هناك حقب إمامية كثيرة حصل فيها صراع بين أفراد الأسرة نفسها، فالمطهر بن يحيى شرف الدين تمرد على والده وأقصاه من الحكم، وحصلت خلافات بين المطهر وإخوته".

وتابع: "في عهد الدولة القاسمية حصلت صراعات دموية، ولم يكد الجيل الثالث يتولى الحكم - جيل محمد بن أحمد ابن الحسن- حتى حصلت صراعات بين أفراد الأسر الحاكمة نفسها وقد تمرد على الامام محمد ابن الحسن أولاده، وقد زج بهم في السجن وتوفي أحد أولاده في السجن، كما تمرد عليه ابن أخيه" .

وأكد أن حلقات الصراع بين الأسرة الإمامية نفسها لم تتوقف، ونتيجة لذلك سفكت الدماء ونهبت الأموال، وأحرقت القرى في سبيل أن يتولى الحكم هذا الإمام أو ذاك، وصولا إلى عهد الإمام أحمد يحيى حميد الدين وإخوته الذي قتل أخوه إبراهيم بالسم وقتل اثنين من إخوته، وقيل إنه قتل اخ رابع له اسمه علي.

وقال إن الأمر ينسحب على مليشيا الحوثي التي دخلت في حروب بينية بين اسرة آل الحوثي ، فضلا عن قيامها باحتجاز عدد من علماء الزيدية أحدهم من بيت المؤيد الأسرة حكمت صعده 250 سنة.. مؤكدا أن ثقافة قتل الأقارب والصراع الداخلي ثقافة أصيلة عبر التاريخ، وما الحوثيين سوى إعادة لتاريخ من الصراع الدموي واستعباد لليمنيين وإذلالهم.

وأكد الكاتب والباحث السياسي والتاريخي ثابت الأحمدي أن الإمام أحمد قتل ثلاثة من إخوانه هم: إبراهيم وعبدالله والعباس، واتهم أيضا بقتل رابع لهم، بالسم، كما أنه حبس أخته شقيقة السيف عبدالله بعد مقتله عقب ثورة 55م.

وفي حين يرى الباحث زايد جابر أن الفكر الحوثي الذي يربي على الولاء والبراء للسيد العلم ليس جديدا أو من اختراع الحوثي، وإنما هو امتداد لإرث الإمامة الهادوية ونظرية الاصطفاء الإلهي التي ظل الائمة يرسخونها، يرى الباحث محمد الأحمدي أن طبيعة الأيديولوجيات المتعصبة انشطارية غير قابلة إلا بنفسها، وهي لا تتحد فيما بينها إلا إذا واجهت عدوا خارجيا، فإذا ما استقر لها الحال بدأت تتآكل فيما بينها، حتى تنفي نفسها.. معتبرا الأيديولوجية الهادوية الإمامية في اليمن أسوأ نموذج لهذه العصبويات.

وأكد الأحمدي أن الحوثي امتداد للهادوية والإمامية، وعبر التاريخ نال السيف الإمامي من بعضه البعض الكثير.. مضيفا: "لو استقصينا تاريخ الإسماعيلية في اليمن على سبيل المثال لوجدنا أن سيف الإمامة قد نال منهم أكثر مما نال من الفرق والجماعات الأخرى، على الرغم من كونها شيعية، وابناء عم للهادوية".

وتابع "الجميع يعرف أن الحوثي قد أقدم على تصفيات داخلية لشخصيات كبيرة من بني عمومته، ومن المحسوبين على الخط الامامي، لأنه اشتم رائحة معارضة منهم، وقد يفعل أكثر من ذلك. وما يمارسه اليوم تجاه الشعب اليمني هو نوع من هذا الجنون والطيش السياسي".

أرضية مشتركة للإرهاب

وبعيدا عن التعبئة الحوثية لعناصرهم، يرى مختصون أن ثقافة العنف ضد الآباء والأقارب لا تقتصر على الحوثيين، وإن كانت الأعنف بين جميع الجماعات الإرهابية والمتطرفة، بل تشترك القاعدة وداعش مع الحوثيين في ثقافة قتل الأقارب.

ووفق الباحث نبيل البكيري فإن جماعة الحوثي هي الأخطر من بين الجماعات الإرهابية كالقاعدة وداعش لأنها – بتأكيده - إرهاب بإمكانية دولة ومجتمع من خلال المدارس والمحاضرات ووسائل الإعلام والفضائيات التي تمتلكها بعكس القاعدة التي لا تمتلك شيء".

ويقول الباحث وضاح اليمن عبدالقادر إن ظاهرة قتل الأقارب لدى المنتمين للجماعات المتطرفة والارهابية لا تتعلق هنا بالشخص نفسه أو القاتل شخصيا لأنه مسلوب التفكير ومحكوم بأفكار ايدلوجية غرستها قيادات الجماعات الدينية واستطاعت تحويلهم إلى أدوات للقتل فالأفكار المتطرفة التي استقوها تجعلهم يرون أن أقاربهم كفار ويوالون من يحارب الله والرسول حسب فكر تلك الجماعات.

وأكد أن المنهج المتبع لدى الجماعات الدينية كداعش والقاعدة هو تكفير الأفراد لأقاربهم ومن ثم التبرؤ منهم، فيرى الفرد في نفسه أنه الغيور على الدين، ويجب أن يقتل كل من يعارض أفكاره وتوجهاته التي غرستها قيادات الجماعات في ذهنه .

من جانبه يرى الباحث محمد الأحمدي أن هناك تعبئة خاطئة ومشتركة بين جماعات الإرهاب والعنف ترتكز في الأساس على مفاهيم منحرفة للدين، على غرار ما تفعله مليشيا الحوثي أكثر الجماعات الإرهابية نزوعا نحو القتل واسترخاص الدماء، وأكثر الجماعات التي عُرف أفرادها بقتل أقاربهم.

وقال إن هذه الجماعات تستخدم وسائل تعبئة خاطئة مثل استدعاء المظلوميات التاريخية المزعومة وتكريسها في وعي عناصر الملتحقين، بحيث يسود لدى هذه العناصر الشعور بالضيم والرغبة في الانتقام من كل من حولها.

وأكد أن الممارسات الحوثية تجسد مستوى الانحراف لدى جماعات الإرهاب والعنف، وغياب الشعور بالمسؤولية الدينية والأخلاقية والإنسانية تجاه المجتمع بمن فيه أقرب المقربين.

الفئات المستهدفة

ويتفق باحثون ومتخصصون أن الفئات العمرية الأصغر هي الأكثر عرضة للاستهداف من قبل دورات الحوثيين الثقافية لسهولة التأثير عليهم، وتشكيل تفكيرهم، ولكونهم الفئة الأضعف.

وبحسب الباحث والصحفي الاستقصائي محمد الأحمدي فإن الأطفال هم أكثر الفئات عرضة للتعبئة المتطرفة والأكثر عرضة للاستقطاب، نظرا للطبيعة البريئة للطفولة والقدرة على إعادة تشكيل وعي الأطفال وغرس المفاهيم في أذهانهم وصياغة وجدانهم في إطار أهداف الجماعة.

وقال الباحث وضاح اليمن عبدالقادر إن الجماعات الدينية سواء كانت القاعدة أو داعش أو أنصار الشريعة أو جماعة الحوثي تنشط في استقطاب الأطفال والشباب في دورات تعبوية، وكل جماعة لها منهجها وأساليبها وأفكارها المختلفة والتي تلتقي في نهاية الأمر في بوابة واحدة اسمها الارهاب .

وأكد أن الفئة العمرية ما بين ١٠ إلى ٢٠ سنة تبقى هي الفئة الأكثر تأثرا واستقطابا لدى هذه الجماعات لغرس الأفكار المتطرفة، واستخدامهم كأدوات لتنفيذ جرائمها الارهابية وجعلهم مجرد أحزمة ناسفة لتفخيخ الأمن وضرب السلم المجتمعي .

وترى غدير البحيري أن تركيز الحوثيين على الأطفال لأن ذلك يسهل عليهم غرس الافكار المغلوطة، إذ تتكون لدى الاطفال في هذه المرحلة القيم ويعود تكوينها على ما يتلقونه من تدريب، كما أن عقولهم لا تستطيع التحليل بالشكل النموذجي فلا يفكرون بمدى صحة وصدق المعلومات التي يتلقونها.

وتحدثت البحيري عن تأثير حوثي على ذوي التعليم المتدني أو غير المتعلمين، الذين لا يستطيعون التمييز بين ما هو صواب وخاطئ فيسهل عمل جماعة الحوثي بغرس ما يريدون من أفكار متطرفة .. مشيرة إلى استغلال السمات القبلية القائمة على التعصب، والطابع الثأري ، والشغف لاستخدام السلاح" في اصطياد أبناء القبائل للالتحاق بدوراتهم ومحاضنهم الفكرية الخطيرة.

من جانبه اعتبر الباحث والكاتب نبيل البكاري تركيز الحوثيين وجماعات العنف والإرهاب على مرحلة الطفولة يعد مسألة خطيرة نظرا لكون الأطفال أكثر قابلية لأي أفكار جديده فهم كالتربة الصالحة لزراعة أي شيء.

وقال: إن "الجماعات الطائفية أو المتطرفة تلجأ إلى هذا المسار من التربية والتنشئة الطائفية والإرهابية وهي تدرك أن مخرجات هذه التربية تعمل على انتزاع الاطفال من براءتهم وتحويلهم إلى ألغام موقوتة وإلى متطرفين في المستقبل وخاصة مرحلة الطفولة والمراهقة حيث وهي من أخطر المراحل العمرية التي يتم تشكيل الأفراد فيها.

وترى ليلى خليل الإخصائية النفسية أن تسليط جماعة الحوثي أفكارها الضالة والإرهابية على الشباب والأطفال، لأنهم الأكثر عرضة للسقوط، وارتكاب جرائم القتل والاعتداء بحق أهاليهم ومجتمعهم، فهم يخرجون بعد مشاركتهم في محاضن الحوثيين يرون أنهم خلقوا ليكونوا مملوكين وخداما لفئة معينة، من الناس لهم سلطة إلهية عليهم.

مستقبل ملغوم

خلال العطلة الصيفية للعام الماضي تحدثت مصادر حوثية عن التحاق عشرات الآلاف من الأطفال بالمراكز الصيفية التي أقامتها المليشيا في مختلف المحافظات، لتدريس ملازم حسين الحوثي ومعتقدات طائفية متطرفة وهو مايشكل وفق الباحث فهد سلطان ضريبة قاسية على المستقبل نتيجة التجنيد غير الرسمي من قبل المليشيات وجماعات العنف.

وأكد أن الالتحاق بالقتال إلى جانب جماعة الحوثي والقاعدة وداعش يترك آثارا مدمرة على الجميع، ويكون تأثيرها كارثيا وخطيرا للغاية على السلم الاجتماعي ككل.. مشيرا إلى أن من أبرز المخاطر أنها تترك آثاراً مدمرة على الاستقرار الاجتماعي والأسري، نتيجة تعرض الطفل أو الشاب لعملية شحن عنيفة فيتحول إلى شخص عنيف قد تدفعه للصراع مع المجتمع أو التحول إلى أمير حرب.

وقال إن الشخص الذي شارك في القتال إلى جانب جماعات العنف يكون لديه فائض عنف، قد تدفعه المشكلات المنزلية إلى البطش والقتل واستعمال أساليب لا تظهر بكثرة في اللحظات العادية، ولذلك في كثير من الدول تعمل على إعادة تأهيل لكل الذين شاركوا في الحرب بصورة مباشرة أو غير مباشرة وخاصة الأطفال.. مضيفا أن الأمر يختلف كثيرا في المعسكرات الرسمية النظامية التي لها عقيدة وطنية ولها عقيدة قتالية وطرق كثيرة تستطيع أن تسحب فائض العنف لدى الجندي وتنشطه بشكل جيد ولذلك يبقى التجنيد خارج الإطار الرسمي له خطورة كبيرة.

وأشار إلى أنه ونتيجة أجواء الحرب تستغل مليشيا الحوثي قوتها وقدراتها لانتزاع الأطفال ونشر الأفكار المتطرفة، وهو مايمثل تفخيخاً لمستقبل المجتمع، مما قد يضاعف من المخاطر المستقبلية، على تماسك الأسرة والمجتمع والسلم الاجتماعي.

من جانبه قال وضاح اليمن عبدالقادر إننا اليوم في اليمن "أمام مشكلة كبيرة سيكون لها تأثيرها الكبير في مرحلة ما بعد الحرب نتيجة ما تقوم به جماعة الحوثي من دورات طائفية وتغيير للمناهج الدراسية.

وأضاف: "نحن نقترب الان من العام الثامن من عمر الحرب بما يعني أننا أمام جيل كامل في مناطق الحوثي قد تم تفخيخه فكريا سيمثل تحديا حقيقيا أمام الدولة في حالة استكمال التحرير للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي".

أما الباحث نبيل البكيري فيرى أن الخطورة لا تتوقف عند اللحظة، إنما في المستقبل، حيث يشكل الأطفال مادة خصبة للحرب، ويركز الحوثيون على المدارس لإدراكه أنها المحاضن المناسبة لاستقطاب وتغيير أدمغة الاطفال وأدمغة المراهقين وحشوهم بالأفكار المتطرفة والعنيفة تجاه الأسرة والمجتمع.

وحذر الباحث البكيري من تأخر حسم المعركة مع الحوثيين.. مؤكداً أنه مالم يتم القضاء على هذه الجماعة أو التوصل لصيغة ما لتحييد المدارس والعملية التعليمية على الأقل في هذه المرحلة، فإننا سنكون أمام جيل مفخخ يهدد اليمن والمنطقة.

في السياق يحذر الباحث محمد الأحمدي من مخاطر كثيرة تهدد مستقبل البلاد وتساهم في مزيد من تمزيق النسيج الاجتماعي.. مؤكدا أن مايجري بمثابة تفخيخ لمستقبل اليمن، وتحويل النشء إلى قنابل بشرية موقوتة تنفجر في وجه الجميع، ما لم يستشعر الجميع الخطر ويسارع للقضاء على كل مشاريع العنف والتطرف والدمار.

وقال إن هناك الكثير من التبعات على تماسك الأسرة، نظرا لأن الأطفال يزج بهم في مواجهة متاعب الحياة بوقت مبكر مما يجعلهم عرضة للاستقطاب بالإغراء تارة والتهديد تارة أخرى.

من جانبها تحذر الإخصائية النفسية ليلى خليل من تأثيرات مستقبلية خطيرة على المجتمع خاصة من قبل الأطفال الذين يلتحقون بالدورات الثقافية لمليشيا الحوثي، والتي يتم فيها غرس الحقد، الكراهية، وحب الانتقام، والعدوان.

وقالت إن ما يتم غرسه في أفهام الأطفال قد تتأصل لديهم حتى تتحول إلى سمات أساسية، فيؤثر سلباً على علاقة الطفل بالأسرة وعلى حياتهم العامة، فيتبدل تفكرهم من طموح اللعب والحصول على التعليم إلى التفكير بالعنف بشتى أنواعه، فينعكس على حياتهم وعلاقتهم بأسرهم.

الحلول والمعالجات

وأمام اتساع دائرة الخطر المجتمعي من الملتحقين بدورات ومعسكرات الحوثي يبقى السؤال الأهم وهو: كيف يمكننا مواجهة الخطر الأخطر القادم من دورات المليشيا ومحاضنها؟

وفي هذا السياق يقول وضاح اليمن عبدالقادر إن اليمن ستكون بحاجة لاستراتيجية فاعلة في مواجهة هذه المشكلة الكبيرة، خاصة وأن هناك في المقابل استقطاب من قبل القاعدة للشباب في مناطق الحوثي في ظل التقارب القائم معهم واتفاقهم على مواجهة الحكومة الشرعية .

وشدد وضاح اليمن على ضرورة تضافر الجهود من قبل الحكومة اليمنية والأشقاء والدول الصديقة في مكافحة الارهاب وتجفيف منابعه، والدفع بعجلة التنمية في المناطق المحررة بشكل مبدئي ليكون لها انعكاس إيجابي في الحد من عمليات الاستقطاب وتعزيز البنية التعليمية سواء من خلال المناهج التعليمية أو الحد من ظاهرة تسرب الأطفال من المدارس .

من جانبها دعت المتخصصة النفسية غدير البحيري الأسرة اليمنية إلى القيام بتوعية عكسية مسبقة تتفادى الوقوع تحت طائلة التضليل الحوثي، من خلال غرس القيم السليمة وتفتيح عقول أطفالهم بتوعيتهم وتدريبهم على اختيار الأفكار السليمة ورفض الأفكار السلبية والمغلوطة، وتقديم أمثلة عن هذه الأفكار ما هو صحيح وما هو خاطئ.

يذكر أن مليشيا الحوثي عملت خلال سبعة أعوام مضت على الزج بمئات الآلاف من الشباب والأطفال في دورات تعبوية تطلق عليها الدورات الثقافية، في محاولة لتغيير هوية المجتمع، وغرس هوية طائفية فارسية مستوردة، تتناقض مع ثقافة وهوية العشب اليمني وعقيدته.

 

 

متعلقات